قصة بدء الخلق

الصفحة الرئيسية » التاريخ الإسلامي » قصة بدء الخلق

قصة بدء الخلق

تُعد قصة بدء الخلق من أعظم القصص التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، فهي تتناول بداية هذا الكون الفسيح وأصل الإنسان ومراحل الخلق الأولى التي سبقت وجود البشر على الأرض. وقد شغلت هذه القصة اهتمام العلماء والمفسرين والمؤرخين المسلمين عبر العصور، لما تحمله من معانٍ عقدية عظيمة ودروس إيمانية عميقة تتعلق بقدرة الله تعالى وحكمته في خلق الكون وتدبير شؤونه

وقد أفرد ابن كثير مساحة واسعة لهذا الموضوع في كتابه الشهير البداية والنهاية، حيث بدأ كتابه بذكر خلق السماوات والأرض والعرش والماء والقلم والملائكة والجن، ثم انتقل إلى قصة خلق آدم عليه السلام أبي البشر وما تبعها من أحداث عظيمة شكلت بداية التاريخ الإنساني

وتستند المعلومات الواردة في هذا المقال إلى ما ثبت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، مع الاستفادة من أقوال علماء التفسير والمؤرخين المسلمين. ويحرص أهل العلم على التمييز بين الروايات الثابتة والروايات الضعيفة أو الإسرائيليات التي ورد بعضها في كتب التاريخ والتفسير، ولذلك فإن العمدة في هذا الموضوع هي النصوص الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

وفي هذه الرحلة التاريخية نستعرض تسلسل أحداث بدء الخلق كما وردت في المصادر الإسلامية، بداية من خلق العرش والماء والقلم، مرورًا بخلق السماوات والأرض والملائكة والجن، ووصولًا إلى خلق آدم عليه السلام وتكريمه بالأمر الإلهي للملائكة بالسجود له، ثم بداية الصراع بين الإنسان والشيطان الذي لا يزال مستمرًا إلى قيام الساعة

إن التأمل في قصة بدء الخلق لا يقتصر على معرفة أحداث الماضي فحسب، بل يساعد المسلم على فهم حقيقة وجوده وغاية خلقه، ويزيد يقينه بعظمة الخالق سبحانه وتعالى وقدرته المطلقة على خلق كل شيء وتدبيره

خلق العرش والماء والقلم

قبل خلق السماوات والأرض خلق الله سبحانه وتعالى مخلوقات عظيمة أخبرنا عنها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن أوائل ما ورد ذكره العرش والماء والقلم، وهي مخلوقات تدل على عظمة الله تعالى وسعة ملكه

:قال تعالى

(هود: 7)

والعرش هو أعظم المخلوقات وأكبرها، وهو سقف المخلوقات جميعًا، وقد استوى الله عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته دون تشبيه أو تمثيل

كما ورد في السنة النبوية أن الله تعالى خلق القلم وأمره أن يكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة

وفي هذا بيان لعظمة علم الله سبحانه وتعالى وإحاطته بكل ما كان وما يكون، وأن جميع الأحداث والأرزاق والآجال مكتوبة عنده قبل وقوعها

ويؤمن المسلم أن هذه الأمور من عالم الغيب الذي لا يمكن معرفته إلا من خلال الوحي، ولذلك فإن الأخبار المتعلقة ببداية الخلق تُؤخذ من القرآن الكريم والسنة الصحيحة دون زيادة أو نقصان

خلق السماوات والأرض في ستة أيام

خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر بذلك في مواضع متعددة من القرآن الكريم

:قال تعالى

(السجدة: 4)

إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي

سِتَّةِ أَيَّام

(الأعراف: 54)

وقد أخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. وذكر ابن كثير، اعتمادًا على ما ورد في النصوص وأقوال السلف، أن الله خلق الأرض في يومين، ثم قدّر فيها أقواتها وجعل فيها الجبال والرواسي وما تحتاجه المخلوقات في يومين آخرين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات في يومين، وزين السماء الدنيا بالكواكب والمصابيح. وقد جرت هذه المراحل كلها وفق حكمة الله وتقديره، مع أن الله سبحانه قادر على أن يخلق كل شيء بكلمة واحدة، ولكنه أراد أن يعلم عباده التدرج والحكمة في الخلق والتدبير

خلق الملائكة

:خلق الله تعالى الملائكة من نور، وجعلهم عبادًا مكرمين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهم من أعظم مخلوقات الله وأشرفها، وقد خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره وتدبير ما كلفهم به من شؤون الكون

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

“خُلِقَتِ الملائكة من نور، وخُلِقَ الجان من مارج من نار، وخُلِق آدم مما وصف لكم”

وقد منح الله الملائكة قدرات عظيمة تختلف عن قدرات البشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوجون، ولا يعرفون المعصية أو التمرد على أوامر الله، بل يلازمون طاعته وتسبيحه ليلًا ونهارًا

ومن أشهر الملائكة جبريل عليه السلام الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالمطر والرزق، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور يوم القيامة، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح بأمر الله تعالى

كما أن هناك ملائكة يكتبون أعمال العباد، وملائكة يحفظون الإنسان بأمر الله، وملائكة موكلين بالجنة والنار، وغير ذلك من الوظائف التي لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة الملائكة كثرةً عظيمة، ومن ذلك أن البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه مرة أخرى، مما يدل على عظمة خلق الله واتساع ملكوته

:قال تعالى

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

(فاطر: 1)

خلق الجن

. وقد أخبر القرآن الكريم عن وجود أمم وقبائل مختلفة من الجن، كما أخبر عن استماع فريق منهم للقرآن وإيمانهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

وكان الجن يسكنون الأرض قبل خلق آدم عليه السلام بزمن طويل، وقد ورد في بعض الآثار أن الفساد وقع بينهم وسفك بعضهم دماء بعض، فبعث الله عليهم جنودًا من الملائكة فأخرجوهم من كثير من مواطنهم. والله أعلم بحقيقة تفاصيل ذلك، إذ لم يرد فيها نص صحيح صريح يعتمد عليه

ومن بين الجن كان إبليس، الذي عُرف بكثرة عبادته وطاعته لله تعالى حتى رفعه الله إلى منزلة عالية، إلا أن الكبر والحسد أوقعاه في أعظم معصية عرفها التاريخ

ويبين القرآن الكريم أن الجن يعيشون في عالم غيبي لا يراه الإنسان في الظروف العادية، وأنهم مكلفون بعبادة الله تعالى كما كلف البشر بذلك

:قال تعالى

(الرحمن: 15)

(الحجر:27)

خلق آدم عليه السلام

:التفاصيل

يُعد خلق آدم عليه السلام بداية التاريخ الإنساني على الأرض، وقد خصه الله تعالى بتكريم عظيم لم ينله مخلوق قبله من أهل الأرض

:قال تعالى

(ص: 71)

(البقرة: 31)

وقد مر خلق آدم بمراحل متعددة ذكرها القرآن الكريم، فكان من تراب ثم من طين ثم من حمإ مسنون ثم من صلصال كالفخار، حتى اكتمل خلقه في الصورة التي أرادها الله سبحانه وتعالى

فلما سوى الله آدم ونفخ فيه من روحه دبّت فيه الحياة، فصار بشرًا سويًا كامل الخلقة

:قال تعالى

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ

(الحجر: 29)

ومن أعظم مظاهر تكريم آدم أن الله علمه أسماء الأشياء كلها، ثم عرضها على الملائكة، فعجزوا عن معرفتها وأقروا بعلم الله وحكمته. فأظهر الله بذلك فضل آدم وما وهبه من العلم والمعرفة

كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

“خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا”

وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول البشر، ومنه بدأ نسل الإنسانية كلها

خلق حواء

بعد أن خلق الله آدم عليه السلام وأسكنه الجنة، شاء سبحانه أن يخلق له زوجًا يسكن إليها وتكون عونًا له

:قال تعالى

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا

(النساء: 1)

فعاش آدم وحواء في الجنة في نعيم ورغد، وأباح الله لهما الأكل من ثمارها كلها إلا شجرة واحدة نهاهما عن الاقتراب منها ابتلاءً واختبارًا لطاعتهما

وكانت هذه المرحلة بداية الحياة الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة، ومنها انطلق نسل البشر جميعًا

عصيان إبليس

:التفاصيل

بعد أن أكمل الله خلق آدم عليه السلام وأظهر فضله على الملائكة بالعلم، أمر الملائكة جميعًا بالسجود له تكريمًا وتشريفًا لا عبادةً، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده.

:قال تعالى

(الأعراف: 12)

(الحجر: 34)

وكان هذا أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول معصية قامت على الكبر والعجب بالنفس. ولذلك طرد الله إبليس من رحمته ولعنه إلى يوم الدين

ومنذ ذلك الحين أعلن إبليس عداوته لبني آدم، وتعهد بإغوائهم وصرفهم عن طريق الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا

وسوسة إبليس وآدم وحواء

:التفاصيل

بعد أن أُسكن آدم وحواء الجنة، حذرهما الله من إبليس وأمرهما ألا يتبعا وساوسه

:قال تعالى

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ

(طه: 120)

فاستجاب آدم وحواء للوسوسة وأكلا من الشجرة، فظهرت لهما سوآتهما وشعرا بالندم والخجل، وعرفا أنهما خالفا أمر الله تعالى

:قال تعالى

(طه: 123)

لكن الفرق العظيم بين آدم وإبليس أن آدم تاب واستغفر واعترف بخطئه، بينما أصر إبليس على الكبر والعناد.

:قال تعالى

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

(الأعراف: 23)

فتاب الله عليهما برحمته، ثم قضى بحكمته أن يهبطا إلى الأرض لتبدأ رحلة الإنسان في عمارة الأرض والابتلاء فيها، وليبدأ فصل جديد من تاريخ البشرية يمتد إلى قيام الساعة